هناك مجموعة الكتابات التي تتصدي لمعالجة
العنصرية او الشوفينية العرقية في السودان وهذه المعالجات تختلف وتتنوع بطبيعة
الحال فيما توفره لنا من منظور (Perspective) الذي يتثني لنا من خلاله النظر الي الظاهرة وهذا
المنظور أي له طابعه الديناميكي ودالات التغيير فيه تشمل التجربة والمعرفة و الExposure والبحث والإعمال المستمر للمنهج الديكارتي
لتتوفر للانسان رؤية متسقة (consistent) علي المستوي الفردي ولكن
هناك كذلك التطورات الحادثة تراكميا وفجائيا في المجتمعات ذات الصلة هي الاخري تجر
الانسان الي اعادة النظر باستمرار في الاستقراء والقناعات. وهذا شئ طبيعي فمثلا
قراءة الشخص للطيب صالح تختلف اختلافا يكاد يتماشي مع العمر والتجربة والتوسع
الكمي في الكريتيك بحكم الاطلاع و الExposure او او تبدل المحيط
الثقافي فبعد استقرار الشخص في مهاجرالغرب
مثلا ووقوفه او تشربه بثقافتة وكذلك الحال تتبدل وتتحور الزوايا والابعاد في
التعامل مع ظاهرة كالعنصرية وهي ظاهرة شديدة التعقيد ولكن فهمها فهما عميقا قد
يختلف من شخص لاخر بحكم التجربة الشخصية وعوامل اخري.
كتاب محمد ابراهيم نقد الذي تحدثت عنه وقد
تشرفت بعرضه في جمعية الثقافة وقت صدوره في رأيي انه عرض الظاهرة ولم يقدم علي
تقديم تحليل عميق لها ولكن مجرد عرض الظاهرة بهذا الشكل السستماتيك وتوفيرها
لمجتمع كمجتمعنا السودان. والسودان واتحدث هنا عن السودان الكبير من الدول القليلة
في العالم التي ضمت مجتمعات كانت هي مصادر للرقيق وكانت مستهدفة بحملات اصطياد
الاداميين وقهرهم هدفا في استراقاقهم ثم ضمت الدولة السودانية بجانب هؤلاء مجتمعات
وكيانات كانت هي الوسيطة في عملية الاسترقاق ثم ضمت التجار واصحاب الزرايب ثم ضمت
مجتمعات كانت مستفيدة من الرق بشكل مباشرة كعمالة قائمة علي البوندش. وهي بهذا
دولة غريبة والاغرب ان التواصل الانساني اخترق تلك الحدود الفاصلة للكيانات بل حدث
التماهي والتمازج ولكن فواصل التمييز الثقافية والسياسية هي التي اكتسبت استدامة.
هذا زعم كبير يمكننا تقليبه في المكان المناسب. كتاب نقد ومن الممكن ان نزعم هنا
ايضا ان نقد يشير اشارة ضمنية او يمكن الوصول by
deduction ان المسألة في
نهاياتها طبقية وليست متعلقة بعنصر محدد أو لون ومجموعات بشرية محددة فهو لم يورد
في كتابه انه اعتمد المنهج الماركسي او الطبقي ولكن ماذا تتوقع من سكرتير الحزب
الشيوعي ولذلك كان حريص علي ايراد قوائم بضحايا هذه التجارة النتنة وانتماءاتهم
القبلية والعنصرية. وهذا النهج تجده بشكل او بآخر عند محمد سعيد القدال والذي
تشرفت بان تتلمذت علي يده وهو اول من ملكني ادوات التحليل الاقتصادي للتاريخ وأول
من شجعني علي الاطلاع علي P. M. Holt وتحليلاته لتاريخ السودان وتاريخ السودان الحديث والذي
تناول فيها تحليلا دخول الحداثة الي السودان. هذا المنظور الذي يوفره لنا بحياء
الاستاذ نقد وبجرأة اكبر دكتور القدال منظور مفيد ومنظور تحليلي بالمقارنه مع
التاريخ السردي المتاح عبر الكتابات السودانية وكتابات مناهج الدراسة ولكن في رأيي
انها ليست بالكافية ولذلك قمت بعرض كتاب آخر في رأيي أكثر حيوية وهو كتاب البروفيسورة
الامريكية Janet Ewald وحين قابلتها في
جامعة الخرطوم في السبيعينات لم تكن بروفيسورة بعد بل كانت طالبة لا تكبرنا وكانت تكتفي بلبس الجلابية وحمل القفة
طوال وجودها في السودان وعنوان كتابها
Soldiers,
Traders and Slaves ويتناول تاريخ تكوين الدول (State formation) في وادي النيل ككل في الفترة من
1700 الي 1885 وهو كتاب ينبض بالحيوية وتناولت فيه الادوار المتبادلة للعسكريين والتجار والعبيد في تكوين وتسيير الدول
والسلطنات في وادي النيل في هذه الحقبة والكتاب يدخلنا علي زرايب الزبير الباشا
والتجار الاخريين ويزور مدينة الابيض ويعرض لنا تاريخها من زاوية اخري وكذلك تاريخ
مملكة تقلي وتوفر لنا قراءة حية لتاريخ جبال النوبة وتستطيع ان تري بوضوح كيف ان
جبال النوبة تبدو من النظرة الاولي انها منطقة معزولة مقفولة علي نفسها ولكنك
بتفحصها تجدها جزء لا يتجزء من التاريخ الزاخر بالحركة والتقلب لمنطقة وادي النيل
باكمالها. والكتاب يغوص بشكل تفصيلي في كنه العلاقة بين ملوك مملكة تقلي وبقية
الجبال والاسس التي انبنت عليها تلك العلائق.
و جانيت ايوالد تلامس P. M. Holt حين يتطرق الاخير الي ان الدولة التركية سقطت لان مسانديها
واعدائها التقت مصالحهم في ذهابها ومساندوها هم التجار وكان اكبرهم نفوذا تجار
الرقيق من اصحاب الزرايب فقد ضاقوا ذرعا بفساد التركية واداريها وقلة اوانعدام
كفاءتهم ومن مسانديها اي الدولة التركية جنودها ونعلم ان قوام جندها هم الرقيق
وابناءهم وهم من سمو لاحقا بالجهادية وقد لحق بعضهم بالمهدية ومنهم حمدان ابو
عنجة. يمهد كتاب جانت لنا الارض لتطوير نظرتنا
ومنظورنا حين تطل علينا يوشيكو كوريتا اليابانية وتنظر بدقة اكبر في الرقيق
وابناءهم ودورهم في تشكيل طبقة المتعلمين وادارة دولاب الدولة الحديثة بعد هزيمة
المهدية فهم الكتبة وضباط الجيش وكوريتا اشارت الي هذه الفئات بمصطلح (Detribalized) اي المنبتين قبليا ممن تقطعت
صلتهم بالقبيلة بفعل الاستراقاق وحين ننظر الي ثورة 1924 وقوام المجموعات التي
قادتها تتضح لنا الرؤية بشكل اكبر. دكتور دينج (ليدس) درس علي عبد اللطيف قال ان
نقطة التحول الرئيسة في تغيير سياسات الانجليز وتوجههم كانت قيام ثورة 24 حيث كانت
هي النقطة التي تخلت عندها الدولة
الاستعمارية كنتيجة لها او لسبب آخر عن الفئات الخادمة لها تقليديا وانحازت
الي القبائل وفئات الادارة الاهلية ونقطة التحول هذه لها انعاكساتها في سودان اليوم. وكأن التحولات
التي حكت عنها جانيت ايلوالد لا تزال ماثله
وكتاب كوريتا اليابانية مترجم الي العربية. وهذا التحول يأخد بعدا اكثر
معاصرة عند الصديق دكتور احمد سكنجة في كتابه (Slaves
into Workers: Emancipation and Labor in Colonial Sudan) ويغوص دكتور سكنجة
بعمق اكبر في انوتومي (Anatomy) التحول اذا جاز
التعبير.
الخطوط عديدة ومتناثرة لكن المنظور هو الذي
يساعد توسع المدارك والمعادل العنصري وترسباته الثقافية التاريخية ليس هو بالضرورة
ان يمنح نفسه سلفة بتلك السهولة نسبة للتعقيدات المعاصرة وامتداداتها السياسية
المعاصرة ولذلك سجل الكثيرون ملاحظة ان منهج السكوت هو المفضل عند الكثيريين. فمن
المهم بل من الشروط الضرورية تواجد الرؤي الاخري وبدونها لا يستقيم الفهم السليم
ولكن المسكوت عنه والأكثر سلامة يبدو انه هو الغالب بسبب الconvenience . الاخ الدكتور الباقر عفيفي حين
كتب بحثه عن الهوية السودانية والذي ترجمه الي العربية المرحوم الخاتم عدلان قابله
احد السودانيين بعد اطلاعه عن البحث وخاطبه صراحة يا اخي "انت المواضيع مالك
ومالها". ففي كثير من الاحيان يفضل الكثيرون السكوت وبالتالي يظل فهمنا قاصرا
لميولنا الي ماهو مريح ولسهولة الدفس تحت البساط كما يقولون. لكن توفر الزوايا او
المنظورات امر ضروري لتكامل الفهم فالبعد الثفافي والتجربة الذاتية مهم حضورها
ودونك مثلا فرانسيس دينج في كتابه Dynamics of
Identification
واشاراته ان الركون الي الهوية والاستلقاء عليها مربوط بالتوترات التي تفرضها
اللحظة التاريخية المحددة وتجربته الشخصية هو ومحيطه الاجتماعي متطرق اليها في
الكتاب المذكور بشكل بارع. الدكتور محمد سليمان في كتابه حروب الموادر والهوية ارتكز في
نظرته الي تداخلات الهوية والازمة في سودان اليوم الي
تفسيره بانه صراع في جوهره حول الموارد
الطبيعية وان قوة الدفع الرئيسة وراءه هي االعامل الايكولوجي أي انه أحد اهم
مسببات النزاعات الدائرة حالياً في السودان وهذا المنظور اصطلح على تسميته (Political
Ecology) والدكتور محمد سليمان يري انه ينظر الي
التعقيدات المتعلقة بدارفور من هذه الزاوية وستظل مثل هذه المنظورات ضرورية ولكنها لا تفسر كل شي لانها علي اهميتها
يمكن ان تفشل حتي في فهم ابعاد الصراع مع المركز علي النحو الذي يبرزه لنا الكتاب
الاسود (نسخة غير رسمية ) لأن الكتاب الاسود يتطرق لتمظهرات الصراع مع المركز
ولكنه لم يتطرق الي التفسير العميق للمكون المحلي علي النحو الذي فعله دكتور محمد
سليمان. وهناك المنظور القبلي للصراع ويمكن ان يجد الانسان تفاصيل حوله عند O’Fahey او حتي موسي المبارك في كتابه تاريخ دارفور
السياسي وكان متواجدا في اكشاك الخرطوم في السبعينات علي ما اعتقد الا ان كتاب
اوفاهي شأنه شأن كتاب اليكس ديوال حول المجاعة القاتلة قد صدر في الثميننات وكتاب
موسي المبارك سردي بعض الشئ ولكنه يعرض بحيوية العلاقات القبلية في الجو الذي
فجرته قيام المهدية وقد يجد فيه خلفيات تاريخية للصراع الدائر اليوم بدارفور. هناك
شئ مقارب لذلك في كردفان من خلال تاريخ كردفان السياسي لعوض عطا وكان هو الآخر
باكشاك الخرطوم ومكتبات الاكشاك في وسط الخرطوم قبل يقضي عليها مهدي مصطفي الهادي
الذي ارسلها جنوبا الي فسحة كبيرة بجوار سباق الخيل حين كان السبق في قمته تفصل تلك
الفسحة الديم من العشس وكانت تعج بالرباطين سابقا وسماها السوق الشعبي. هناك ابعاد
تاريخية تتعلق بممكلة الفونج ودورها في تشكيل الكيانات السودانية التي سبقت دخول
التركية الاولي وعلاقة تلك السلطنة بالفقهاء وشيوخ الطرق علي النحو الذي تحدث عنه
دكتور عبد السلام سيد أحمد في كتابه عن مملكة سنار والفقهاء. ولابد من ذكر يوسف
فضل علي الرغم من رأي الكثيرين فيه. فالخيوط تتعد وتتشابك وأعود واقول lان الحكمة ليست فيما نراكمه من قراءات ولكنها فيما يتوفر
لنا من رؤية نافذه والرؤية النافذة شرطها تعدد المنظورات والاستقراء السليم
للحقائق المسرودة.
وهناك امور اخري لا شك اثرت في نظرة الانسان وتحدث
عن نفسي هنا اي ان هناك ابعاد اخري تؤثر بوعي وابغيره تشكيل الفهم العام او
استيعاب المنظور المحدد او حتي تقبله ومنها علي سبيل المثال تطور ادبيات ومفاهيم
الصواب السياسي (Political Correctness) هنا في العقود
الثلاثة الماضية في الغرب والدور الذي لعبته في وسائل التعبير واللغة ومفرداتها
والحساسية التي تطورها الفرد تجاه اللغة واستخداماتها وكذلل التجارب المهنية نتيجة
للخدمة في مؤسسات الادارة الاجتماعة ورسوخ التجربة وارتباطها بالصقل المستمر
للقانون واساليب العمل (Equal Opportunities) وعلي سبيل المثال
ننظر الي قضية تعرض شاب اسود من اصول كاربية ولكنه بريطاني الجنسية كان يقف في
محطة في انتظار حافلات النقل العام فتعرض له شبان بيض آخرين متحرشين به بسبب لونه
الاسود فطعنوه ولقي حتفه كنتيجة لهذا الحادث. الشرطة فشلت في ملاحقة الجناة ثم
اتضح فيما بعد بان الشرطة لم تتحرك بالسرعة المطلوبة لأنها بسبب لون الشاب الضحية
وانتمائه اعتقد اول الامر انه جزء من عصابات بيع المخدارات ولذلك لم تولي التحقيق
في بدائته القدر المطلوب من الاهتمام. القضية اصبحت قضية رأي واضطرت الحكومة الي
تشكل لجان تقصي في الامر خاصة بعد تمكن الناشطون من لفت نظر الزعيم نيلسون ماندلا
اثناء زيارة له الي لندن واثار تساؤلات حولها بعد مقابلته لوالدي الشاب الضحية وهو
استيفن لورانس. قضية استيفن لورانس (Stephen
Lawrence) نالت قدر مهول من
التمحيص والتحقيق والتدقيق واصبحت لها افرازاتها ونجمت عنها تغييرات اساسية في
التشريعات واجراءات عمل الشرطة وطوابطها وحتي في المفاهيم واللغة الثقافة السائرة
ويكفي انها ثبتت بصورة عملية حقيقة العنصرية المؤسسية (Institutional Racism) اي ان المؤسسات شأنها شأن الافراد والكيانات
الاجتماعية يمكن ان تتطور داخلها انماط سلوكية تملي علي الافراد اتباعها بوعي او
بغيره وهذه الانماط السلوكية يمكن ان تكون عنصرية وان تلقي بظلالها علي الكفاءة
والحيدة المطلوبة لاداء المؤسسات وتنفيذها لمهامها خاصة في مؤسسات مفتاحية كجهاز
الشرطة (تقرير القاضي المحقق McPherson) )
تتوفر في الديمقراطيات الراسخة عادة المراجعة
المستمرة لاساليب العمل وسياسات التوظيف واللغة والمفردات المستعملة للتماشي مع
المبادي الاخلاقية والقانونية لمحاصرة العنصرية واللامساوة. تتفاعل هذه المراجعات
القانونية والاداية مع الثقافة السيارة لتفرز لغتها وقاموسها الصائب سياسيا علي
المستوي الرسمي والعام علي الاقل. هذه كلها وبفعل السنوات نمت قرون الاستشعار
ورهفة الاستجابة تجاه القضية موضع النقاش.
أين نحن في السودان من هذا؟
ما نحتاجه نحن ويحتاجه السودانيون من المهنيين واصحاب القرار والتأثير خاصة في المجالات
الانسانية ان نستوعب وان نستفيد من التجربة والمدخل الرئيس هو ان نبتعد ان نصور
ظاهرة كالعنصرية ونتعامل مهما باعتبارها امرا ثانويا موقعه الهامش وليس المتن.

No comments:
Post a Comment