Sunday, October 27, 2013

حول استراتيجية التغيير عند الحزب الشيوعي السوداني


اعتقد ان استراتجيته  الحزب الشيوعي السوداني ومنظوره في احداث التغيير بعد مضي ربع قرن من حكم الاسلاميين للسودان هي الاستراتيجية المعبر عنها في ادبيات الحزب وفعله السياسي اليومي ، وتتمثل هذه الاستراتجية في اسقاط النظام بوسائل الفعل المدني علي النحو الذي تم وليس بالضرورة بالتطابق مع احداث ثورتي اكتوبر 1964 وابريل 1985 والتي تمكن خلالها المواطنون المدنيون العزل من اسقاط النظاميين العسكريين واحلالهما بنظم حزبية ديمقراطية مرورا بفترة الانتقال والتي عبرت في تشكيلاتها الانتقالية بشكل او آخر عن القوي الفاعلة والمساهمة في احداث التغيير. يعتمل الحزب الشيوعي في تفعيله لاستراتجية التغيير هذه علي التحالف السياسي مع الاحزاب المعارضة وعلي رأسها حزبي الامة والاتحادي الديمقراطي علي ان يتم التحريض من خلال الياته والآليات الائتلافية المشركة علي الثورة والتغيير.
فحتي بعد احداث سبتمبر 2013 والتي شهدت التصدي الدموي من قبل النظام والقمع الوحشي لبذرة الثورة علي لنهج الذي ينشده الحزب الشيوعي نجد ان الحزب لا يزال يتمسك باستراتجية التغيير هذه وانه لا يزال في اطار الوسائل التقليدية التي يتبعها لاحداث التغيير
هناك انطباع عام خرج به الكثير من مراقبي الاحداث في السودان وكثير من المعلقين ايضا ان النظام الاسلامي الحاكم في الخرطوم قد عول كثير علي الخوف والتخويق من التغيير في سعيه لمجابهة الاحداث في سبمتمبر 2013 وكان يعمل علي اشاعة ان التغيير يمكن ان يسوق بالجبهة الثورية الي داخل السودان النيلي وان التغيير حتما سيأتي بهيمنة اهل السودان الغربي علي الحكم ووصولهم الي سدة الحكم وان الآخرين في حالة نجاح مسعاهم سيسعون في السودان الوسطي فسادا وتقيلا وهو ما اصطلح الكثيرون علي تسميته "فزاعة الغرب". فاذا تخطينا حقيقة استغلال الاسلاميين لهذه المخاوف والتي هي في جوهرها مخاوف عنصرية قائمة علي مفاهيم عنصرية بغيضة لا تسندها الوقائع التاريخية ويقوم باثارتها عنصريون وشوفنيون هم سند النظام الاسلامي في الخرطوم وجزء لا يتجزء منه ، اذا تجاوزنا ذلك فلنا ان نتساءل سبب وجود هذه المخاوف العنصرية من اساسها وهذا ما لسنا بصدد التطرق اليه في هذه السانحة ولكننا نريد ان نؤكد علي حقيقة وجود هذه المخاوف واتساعها وتجذرها في المجتمع السوداني النيلي بشكل اعمق منذ قيام احداث دارفور في العام  2003 والتي سبقتها التطورات في جنوب كردفان بعد دخول الحركة الشعبية ابتداءا في النصف الثاني من تسعينات القرن المنصرم وان وجود مثل هذه المخاوف العنصرية كان في واقع اكثر اتساعا وعمقا تجاه جنوب السوداني وقد ساهمت بشكل اساسي في الجو النفسي السائد والذي ادي في نهاية امره بجانب العوامل الاخري الي الاداء الهزيل واللامبالاة التي ابداها النظام تجاه خيار جاذبية الوحدة خلال الست السنوات التي اعقبت التوقيع علي اتفاقية السلام الشامل بنيفشا والتي ادات الي نهاياتها المنطقية المتمثلة في اعتماد الجنوب خيار الانفصال وحدوثه فعلا.
ففي رأيي أن استراتجية عمل الحزب الشيوعي هذه لا تعترف ولا تعبر عن عمق الشرخ والخلخلة الهيكلية في بنية الدولة والمجتمع السوداني التي خلقتها سنوات حكم الاسلاميين في السودان بالقدر الكافي. وقد اعتمد الحكم علي اثارة هذه النعرات وتداولها كأداة رئيسة ضرورية لبقائه وتقليل خطر الزحف العسكري عليه من قبل الهامش وكما اعتمد عليها للتجيش والتعبئة لصالح جهدة الحربي والسياسي. وفي رأيي ان هذا الشرخ والخلخلة اصبح بالقدر الذي لا يجعله مانعا لامكانية التغيير فحسب بل يجعل امكانية استمرارية الدولة وديمومتها فيما بعد التغيير امرا صعبا المنال. فحتي موقف الحزب من قضية النضال المسلح اذا دققت النظر فيه هو في حقيقته موقف معبر عن عمق الشرخ والخلخلة التي تحدث عنها فهم يرون ان لا اعتراض لهم من حيث المبدأ علي نزوع مجتمعات الجنوب الجديد ودافور الي النضال المسلح ولكنهم في ذات الوقت لن ينتهجوا ذلك المسلك الا اذا تطور الوضع واصبح وجودنا نحن مهدد فسوف لن "نقف مكتوفي الايادي ليتم التقاطنا واحدا تلو الآخر" حسب تعابير راشد سيد احمد المسؤول السياسي للحزب الشيوعي ببريطانيا في ندوة الحزب الشيوعي بمدينة مانشستر البريطانية. وهنا تكمن العلة في هذا الموقف والذي يستبطن حقيقة رئيسة هي أن الحزب ليس في تصوره او في مكنوناته الاحساس بان مايتم في هذه المجتمعات السودانية هو في حقيقته ضرب في صميم جماهيره وبعده الاستراتيجي ويمكن سوق هذا المنطق الي ان الحزب يصنف نفسه ليس كحزب منتمي الي جماهير الهامش هذه متأثرا بما تتأثر به بل يقف بمنأي عنها الي حين ان يتطور الامر ليكون اكثر لصقا بذاته ووجودة وخلفيته الاجتماعية. قولي هنا هو ان الموقف يعبر عن الشرخ والذي حدث.
وفي رأيي ان الحزب لتعلقه وارتباطة الذي لا انفكاك عنه ليس بالمعطيات الاجتماعية المكونه لعضويته فحسب بل لارتباطه بتراث اكتوبر وفهمه للثورة غير المتجدد قد اعماه عن فهم العمق والاشكال البنيوي الذي تعاني منه الدولة السودانية والمجتمع السوداني حاليا ولذلك فان اطروحاته واستراتيجته لم تعبر عن فهم عميق للتجربة وفي آخر الأمر فمنظوراته التي يتقدم بها في التغيير لا تختلف توعيا عن اطروحات الاحزاب التقليدية بما فيها الحزبين. وازعم ان مواقف الامام الصادق المهدي والتي تهدف في جوهرها الي ازالة النظام دون المساس بالاسس السياسية والاجتماعية الهيكلية التي تقوم عليها الدولة بشكلها الحالي هي في الواقع اصدق او لا تختلف في شئ يذكر عن استرتيجية واطروحات الحزب الشيوعي السوداني.
وفي رأيي كذلك ان ما يمكن ان اسميه الغفلة او انشغال الحزب الشيوعي عن ادراك عمق التغيير الذي حدث سوف يؤدي الي اغترابه وانعزاله والذي يعبر عن نفسه في اشكال كثيرة يمكن تلمسها حتي في اطار العمل الاجتماعي علي المستوي المحلي في الداخل وتجمعات المهاجر التي ينشط في الحزب فيما سبق... فهناك احساس عام ان الحزب في وادي والمجتمع في واد آخر وهناك حتي صعوبة في التناغم علي مستوي العمل السياسي والاجتماعي اليومي من الكيانات الجديدة الفاعلة في المجتمعات المحلية.

Sunday, October 13, 2013

ترجمة كلمات أغنية ثمار غريبة للفنانة بيلي هوليدي ، Billie Holiday ، Strange Fruits

ترجمة كلمات أغنية ثمار غريبة  للفنانة بيلي هوليدي
جعفر ابكر علي
Gaafer A. Ali
ترجمة أغنية بيلي هوليدي  Billie Holiday المغنية الأمريكية  السمراء والتي ولدت في العام  1915 وتوفيت في العام  1959
أشهر أغانيها أغنية " ثمار غريبة" Strange Fruits التي تناولت فيها قصة عذابات السود في ظل العبودية في أمريكا. والثمار الغريبة هي جثث السود التي تبقى معلقة على الأشجار بعد الإعدام في ما يسمي ب lynching  وهو الاعدام من قبل الجمهور دون محاكمة قانونية تذكر حيث يقوم المتجمهرون من العامة (Mob) بالقبض علي الأفراد المشتبه فيهم وشنقهم وسط الصياح والتأييد وهي ظاهرة كانت اكثر انتشارا في الجنوب الامريكي ورغم انها توقفت بشكل عام في حوالي العشرينان من القرن العشرين الا انها ظلت ممارسة بشكل اقل في الجنوب الامريكي الي قيام حركة الحقوق المدنية في الخمسينات من القرن العشرين نفسه.

ترجمة كلمات أغنية ثمار غريبة  للفنانة بيلي هوليدي
أشجار الجنوب تطرح ثمارا غربية
دم في الأوراق ودم علي الجذر
أجساد سمراء معلقة تتأرجح مع الريح الجنوبية
ثمار غربية تتدلي من الأشجار السابلة

مشهد رائع لمراعي الجنوب الخلابة
عيون ناتئة وأفواه ملتوية
رائحة ماغنوليا حلوة وطازجة
وفجأة ... رائحة اللحم الآدمي المشوي

هاهي الثمار للغربان ان تقطفها
للمطر ان يجمعها والريح ان تذريها
للشمس ان تفسخها وللشجرة ان تسقطها 
هاهي ... ثمار غريبة مرة المذاق

 

Tuesday, June 25, 2013

المعادل المفقود في تفسير الفواصل الاجتماعية والسياسية والثقافية في السودان



هناك مجموعة الكتابات التي تتصدي لمعالجة العنصرية او الشوفينية العرقية في السودان وهذه المعالجات تختلف وتتنوع بطبيعة الحال فيما توفره لنا من منظور (Perspective)  الذي يتثني لنا من خلاله النظر الي الظاهرة وهذا المنظور أي له طابعه الديناميكي ودالات التغيير فيه تشمل التجربة والمعرفة و الExposure  والبحث والإعمال المستمر للمنهج الديكارتي لتتوفر للانسان رؤية متسقة (consistent) علي المستوي الفردي ولكن هناك كذلك التطورات الحادثة تراكميا وفجائيا في المجتمعات ذات الصلة هي الاخري تجر الانسان الي اعادة النظر باستمرار في الاستقراء والقناعات. وهذا شئ طبيعي فمثلا قراءة الشخص للطيب صالح تختلف اختلافا يكاد يتماشي مع العمر والتجربة والتوسع الكمي في الكريتيك بحكم الاطلاع و الExposure  او او تبدل المحيط الثقافي  فبعد استقرار الشخص في مهاجرالغرب مثلا ووقوفه او تشربه بثقافتة وكذلك الحال تتبدل وتتحور الزوايا والابعاد في التعامل مع ظاهرة كالعنصرية وهي ظاهرة شديدة التعقيد ولكن فهمها فهما عميقا قد يختلف من شخص لاخر بحكم التجربة الشخصية وعوامل اخري.
كتاب محمد ابراهيم نقد الذي تحدثت عنه وقد تشرفت بعرضه في جمعية الثقافة وقت صدوره في رأيي انه عرض الظاهرة ولم يقدم علي تقديم تحليل عميق لها ولكن مجرد عرض الظاهرة بهذا الشكل السستماتيك وتوفيرها لمجتمع كمجتمعنا السودان. والسودان واتحدث هنا عن السودان الكبير من الدول القليلة في العالم التي ضمت مجتمعات كانت هي مصادر للرقيق وكانت مستهدفة بحملات اصطياد الاداميين وقهرهم هدفا في استراقاقهم ثم ضمت الدولة السودانية بجانب هؤلاء مجتمعات وكيانات كانت هي الوسيطة في عملية الاسترقاق ثم ضمت التجار واصحاب الزرايب ثم ضمت مجتمعات كانت مستفيدة من الرق بشكل مباشرة كعمالة قائمة علي البوندش. وهي بهذا دولة غريبة والاغرب ان التواصل الانساني اخترق تلك الحدود الفاصلة للكيانات بل حدث التماهي والتمازج ولكن فواصل التمييز الثقافية والسياسية هي التي اكتسبت استدامة. هذا زعم كبير يمكننا تقليبه في المكان المناسب. كتاب نقد ومن الممكن ان نزعم هنا ايضا ان نقد يشير اشارة ضمنية او يمكن الوصول by deduction  ان المسألة في نهاياتها طبقية وليست متعلقة بعنصر محدد أو لون ومجموعات بشرية محددة فهو لم يورد في كتابه انه اعتمد المنهج الماركسي او الطبقي ولكن ماذا تتوقع من سكرتير الحزب الشيوعي ولذلك كان حريص علي ايراد قوائم بضحايا هذه التجارة النتنة وانتماءاتهم القبلية والعنصرية. وهذا النهج تجده بشكل او بآخر عند محمد سعيد القدال والذي تشرفت بان تتلمذت علي يده وهو اول من ملكني ادوات التحليل الاقتصادي للتاريخ وأول من شجعني علي الاطلاع علي P. M. Holt   وتحليلاته لتاريخ السودان وتاريخ السودان الحديث والذي تناول فيها تحليلا دخول الحداثة الي السودان. هذا المنظور الذي يوفره لنا بحياء الاستاذ نقد وبجرأة اكبر دكتور القدال منظور مفيد ومنظور تحليلي بالمقارنه مع التاريخ السردي المتاح عبر الكتابات السودانية وكتابات مناهج الدراسة ولكن في رأيي انها ليست بالكافية ولذلك قمت بعرض كتاب آخر في رأيي أكثر حيوية وهو كتاب البروفيسورة الامريكية Janet Ewald  وحين قابلتها في جامعة الخرطوم في السبيعينات لم تكن بروفيسورة بعد بل كانت طالبة  لا تكبرنا وكانت تكتفي بلبس الجلابية وحمل القفة طوال وجودها في السودان وعنوان كتابها   Soldiers, Traders and Slaves ويتناول تاريخ تكوين الدول (State formation) في وادي النيل ككل في الفترة من 1700 الي 1885 وهو كتاب ينبض بالحيوية وتناولت فيه الادوار المتبادلة  للعسكريين والتجار والعبيد في تكوين وتسيير الدول والسلطنات في وادي النيل في هذه الحقبة والكتاب يدخلنا علي زرايب الزبير الباشا والتجار الاخريين ويزور مدينة الابيض ويعرض لنا تاريخها من زاوية اخري وكذلك تاريخ مملكة تقلي وتوفر لنا قراءة حية لتاريخ جبال النوبة وتستطيع ان تري بوضوح كيف ان جبال النوبة تبدو من النظرة الاولي انها منطقة معزولة مقفولة علي نفسها ولكنك بتفحصها تجدها جزء لا يتجزء من التاريخ الزاخر بالحركة والتقلب لمنطقة وادي النيل باكمالها. والكتاب يغوص بشكل تفصيلي في كنه العلاقة بين ملوك مملكة تقلي وبقية الجبال والاسس التي انبنت عليها تلك العلائق.
و جانيت ايوالد تلامس P. M. Holt حين يتطرق الاخير الي ان الدولة التركية سقطت لان مسانديها واعدائها التقت مصالحهم في ذهابها ومساندوها هم التجار وكان اكبرهم نفوذا تجار الرقيق من اصحاب الزرايب فقد ضاقوا ذرعا بفساد التركية واداريها وقلة اوانعدام كفاءتهم ومن مسانديها اي الدولة التركية جنودها ونعلم ان قوام جندها هم الرقيق وابناءهم وهم من سمو لاحقا بالجهادية وقد لحق بعضهم بالمهدية ومنهم حمدان ابو عنجة. يمهد كتاب جانت لنا الارض لتطوير نظرتنا ومنظورنا حين تطل علينا يوشيكو كوريتا اليابانية وتنظر بدقة اكبر في الرقيق وابناءهم ودورهم في تشكيل طبقة المتعلمين وادارة دولاب الدولة الحديثة بعد هزيمة المهدية فهم الكتبة وضباط الجيش وكوريتا اشارت الي هذه الفئات بمصطلح (Detribalized) اي المنبتين قبليا ممن تقطعت صلتهم بالقبيلة بفعل الاستراقاق وحين ننظر الي ثورة 1924 وقوام المجموعات التي قادتها تتضح لنا الرؤية بشكل اكبر. دكتور دينج (ليدس) درس علي عبد اللطيف قال ان نقطة التحول الرئيسة في تغيير سياسات الانجليز وتوجههم كانت قيام ثورة 24 حيث كانت هي النقطة التي تخلت عندها الدولة  الاستعمارية كنتيجة لها او لسبب آخر عن الفئات الخادمة لها تقليديا وانحازت الي القبائل وفئات الادارة الاهلية ونقطة التحول هذه  لها انعاكساتها في سودان اليوم. وكأن التحولات التي حكت عنها جانيت ايلوالد لا تزال ماثله  وكتاب كوريتا اليابانية مترجم الي العربية. وهذا التحول يأخد بعدا اكثر معاصرة عند الصديق دكتور احمد سكنجة في كتابه (Slaves into Workers: Emancipation and Labor in Colonial Sudan) ويغوص دكتور سكنجة بعمق اكبر في انوتومي (Anatomy) التحول اذا جاز التعبير.
الخطوط عديدة ومتناثرة لكن المنظور هو الذي يساعد توسع المدارك والمعادل العنصري وترسباته الثقافية التاريخية ليس هو بالضرورة ان يمنح نفسه سلفة بتلك السهولة نسبة للتعقيدات المعاصرة وامتداداتها السياسية المعاصرة ولذلك سجل الكثيرون ملاحظة ان منهج السكوت هو المفضل عند الكثيريين. فمن المهم بل من الشروط الضرورية تواجد الرؤي الاخري وبدونها لا يستقيم الفهم السليم ولكن المسكوت عنه والأكثر سلامة يبدو انه هو الغالب بسبب الconvenience . الاخ الدكتور الباقر عفيفي حين كتب بحثه عن الهوية السودانية والذي ترجمه الي العربية المرحوم الخاتم عدلان قابله احد السودانيين بعد اطلاعه عن البحث وخاطبه صراحة يا اخي "انت المواضيع مالك ومالها". ففي كثير من الاحيان يفضل الكثيرون السكوت وبالتالي يظل فهمنا قاصرا لميولنا الي ماهو مريح ولسهولة الدفس تحت البساط كما يقولون. لكن توفر الزوايا او المنظورات امر ضروري لتكامل الفهم فالبعد الثفافي والتجربة الذاتية مهم حضورها ودونك مثلا فرانسيس دينج في كتابه Dynamics of Identification واشاراته ان الركون الي الهوية والاستلقاء عليها مربوط بالتوترات التي تفرضها اللحظة التاريخية المحددة وتجربته الشخصية هو ومحيطه الاجتماعي متطرق اليها في الكتاب المذكور بشكل بارع. الدكتور محمد سليمان في كتابه حروب الموادر والهوية ارتكز في نظرته الي  تداخلات الهوية والازمة في سودان اليوم الي  تفسيره بانه صراع في جوهره حول الموارد الطبيعية وان قوة الدفع الرئيسة وراءه هي االعامل الايكولوجي أي انه أحد اهم مسببات النزاعات الدائرة حالياً في السودان وهذا المنظور اصطلح على تسميته (Political Ecology) والدكتور محمد سليمان يري انه ينظر الي التعقيدات المتعلقة بدارفور من هذه الزاوية وستظل مثل هذه المنظورات  ضرورية ولكنها لا تفسر كل شي لانها علي اهميتها يمكن ان تفشل حتي في فهم ابعاد الصراع مع المركز علي النحو الذي يبرزه لنا الكتاب الاسود (نسخة غير رسمية ) لأن الكتاب الاسود يتطرق لتمظهرات الصراع مع المركز ولكنه لم يتطرق الي التفسير العميق للمكون المحلي علي النحو الذي فعله دكتور محمد سليمان. وهناك المنظور القبلي للصراع ويمكن ان يجد الانسان تفاصيل حوله عند O’Fahey  او حتي موسي المبارك في كتابه تاريخ دارفور السياسي وكان متواجدا في اكشاك الخرطوم في السبعينات علي ما اعتقد الا ان كتاب اوفاهي شأنه شأن كتاب اليكس ديوال حول المجاعة القاتلة قد صدر في الثميننات وكتاب موسي المبارك سردي بعض الشئ ولكنه يعرض بحيوية العلاقات القبلية في الجو الذي فجرته قيام المهدية وقد يجد فيه خلفيات تاريخية للصراع الدائر اليوم بدارفور. هناك شئ مقارب لذلك في كردفان من خلال تاريخ كردفان السياسي لعوض عطا وكان هو الآخر باكشاك الخرطوم ومكتبات الاكشاك في وسط الخرطوم قبل يقضي عليها مهدي مصطفي الهادي الذي ارسلها جنوبا الي فسحة كبيرة بجوار سباق الخيل حين كان السبق في قمته تفصل تلك الفسحة الديم من العشس وكانت تعج بالرباطين سابقا وسماها السوق الشعبي. هناك ابعاد تاريخية تتعلق بممكلة الفونج ودورها في تشكيل الكيانات السودانية التي سبقت دخول التركية الاولي وعلاقة تلك السلطنة بالفقهاء وشيوخ الطرق علي النحو الذي تحدث عنه دكتور عبد السلام سيد أحمد في كتابه عن مملكة سنار والفقهاء. ولابد من ذكر يوسف فضل علي الرغم من رأي الكثيرين فيه. فالخيوط تتعد وتتشابك وأعود واقول lان الحكمة ليست فيما نراكمه من قراءات ولكنها فيما يتوفر لنا من رؤية نافذه والرؤية النافذة شرطها تعدد المنظورات والاستقراء السليم للحقائق المسرودة.
وهناك امور اخري لا شك اثرت في نظرة الانسان وتحدث عن نفسي هنا اي ان هناك ابعاد اخري تؤثر بوعي وابغيره تشكيل الفهم العام او استيعاب المنظور المحدد او حتي تقبله ومنها علي سبيل المثال تطور ادبيات ومفاهيم الصواب السياسي (Political Correctness) هنا في العقود الثلاثة الماضية في الغرب والدور الذي لعبته في وسائل التعبير واللغة ومفرداتها والحساسية التي تطورها الفرد تجاه اللغة واستخداماتها وكذلل التجارب المهنية نتيجة للخدمة في مؤسسات الادارة الاجتماعة ورسوخ التجربة وارتباطها بالصقل المستمر للقانون واساليب العمل (Equal Opportunities) وعلي سبيل المثال ننظر الي قضية تعرض شاب اسود من اصول كاربية ولكنه بريطاني الجنسية كان يقف في محطة في انتظار حافلات النقل العام فتعرض له شبان بيض آخرين متحرشين به بسبب لونه الاسود فطعنوه ولقي حتفه كنتيجة لهذا الحادث. الشرطة فشلت في ملاحقة الجناة ثم اتضح فيما بعد بان الشرطة لم تتحرك بالسرعة المطلوبة لأنها بسبب لون الشاب الضحية وانتمائه اعتقد اول الامر انه جزء من عصابات بيع المخدارات ولذلك لم تولي التحقيق في بدائته القدر المطلوب من الاهتمام. القضية اصبحت قضية رأي واضطرت الحكومة الي تشكل لجان تقصي في الامر خاصة بعد تمكن الناشطون من لفت نظر الزعيم نيلسون ماندلا اثناء زيارة له الي لندن واثار تساؤلات حولها بعد مقابلته لوالدي الشاب الضحية وهو استيفن لورانس. قضية استيفن لورانس (Stephen Lawrence) نالت قدر مهول من التمحيص والتحقيق والتدقيق واصبحت لها افرازاتها ونجمت عنها تغييرات اساسية في التشريعات واجراءات عمل الشرطة وطوابطها وحتي في المفاهيم واللغة الثقافة السائرة ويكفي انها ثبتت بصورة عملية حقيقة العنصرية المؤسسية (Institutional Racism)  اي ان المؤسسات شأنها شأن الافراد والكيانات الاجتماعية يمكن ان تتطور داخلها انماط سلوكية تملي علي الافراد اتباعها بوعي او بغيره وهذه الانماط السلوكية يمكن ان تكون عنصرية وان تلقي بظلالها علي الكفاءة والحيدة المطلوبة لاداء المؤسسات وتنفيذها لمهامها خاصة في مؤسسات مفتاحية كجهاز الشرطة (تقرير القاضي المحقق McPherson) )
تتوفر في الديمقراطيات الراسخة عادة المراجعة المستمرة لاساليب العمل وسياسات التوظيف واللغة والمفردات المستعملة للتماشي مع المبادي الاخلاقية والقانونية لمحاصرة العنصرية واللامساوة. تتفاعل هذه المراجعات القانونية والاداية مع الثقافة السيارة لتفرز لغتها وقاموسها الصائب سياسيا علي المستوي الرسمي والعام علي الاقل. هذه كلها وبفعل السنوات نمت قرون الاستشعار ورهفة الاستجابة تجاه القضية موضع النقاش.
أين نحن في السودان من هذا؟
ما نحتاجه نحن ويحتاجه السودانيون  من المهنيين واصحاب القرار والتأثير خاصة في المجالات الانسانية ان نستوعب وان نستفيد من التجربة والمدخل الرئيس هو ان نبتعد ان نصور ظاهرة كالعنصرية ونتعامل مهما باعتبارها امرا ثانويا موقعه الهامش وليس المتن.