اعتقد ان استراتجيته الحزب
الشيوعي السوداني ومنظوره في احداث التغيير بعد مضي ربع قرن من حكم الاسلاميين
للسودان هي الاستراتيجية المعبر عنها في ادبيات الحزب وفعله السياسي اليومي ،
وتتمثل هذه الاستراتجية في اسقاط النظام بوسائل الفعل المدني علي النحو الذي تم
وليس بالضرورة بالتطابق مع احداث ثورتي اكتوبر 1964 وابريل 1985 والتي تمكن خلالها
المواطنون المدنيون العزل من اسقاط النظاميين العسكريين واحلالهما بنظم حزبية
ديمقراطية مرورا بفترة الانتقال والتي عبرت في تشكيلاتها الانتقالية بشكل او آخر
عن القوي الفاعلة والمساهمة في احداث التغيير. يعتمل الحزب الشيوعي في تفعيله
لاستراتجية التغيير هذه علي التحالف السياسي مع الاحزاب المعارضة وعلي رأسها حزبي
الامة والاتحادي الديمقراطي علي ان يتم التحريض من خلال الياته والآليات
الائتلافية المشركة علي الثورة والتغيير.
فحتي بعد احداث سبتمبر 2013 والتي شهدت التصدي الدموي من قبل النظام والقمع الوحشي لبذرة الثورة علي لنهج الذي ينشده الحزب الشيوعي نجد ان الحزب لا يزال يتمسك باستراتجية التغيير هذه وانه لا يزال في اطار الوسائل التقليدية التي يتبعها لاحداث التغيير
فحتي بعد احداث سبتمبر 2013 والتي شهدت التصدي الدموي من قبل النظام والقمع الوحشي لبذرة الثورة علي لنهج الذي ينشده الحزب الشيوعي نجد ان الحزب لا يزال يتمسك باستراتجية التغيير هذه وانه لا يزال في اطار الوسائل التقليدية التي يتبعها لاحداث التغيير
هناك انطباع عام خرج به الكثير من مراقبي الاحداث في السودان وكثير من
المعلقين ايضا ان النظام الاسلامي الحاكم في الخرطوم قد عول كثير علي الخوف والتخويق
من التغيير في سعيه لمجابهة الاحداث في سبمتمبر 2013 وكان يعمل علي اشاعة ان
التغيير يمكن ان يسوق بالجبهة الثورية الي داخل السودان النيلي وان التغيير حتما
سيأتي بهيمنة اهل السودان الغربي علي الحكم ووصولهم الي سدة الحكم وان الآخرين في
حالة نجاح مسعاهم سيسعون في السودان الوسطي فسادا وتقيلا وهو ما اصطلح الكثيرون
علي تسميته "فزاعة الغرب". فاذا تخطينا حقيقة استغلال الاسلاميين لهذه
المخاوف والتي هي في جوهرها مخاوف عنصرية قائمة علي مفاهيم عنصرية بغيضة لا تسندها
الوقائع التاريخية ويقوم باثارتها عنصريون وشوفنيون هم سند النظام الاسلامي في
الخرطوم وجزء لا يتجزء منه ، اذا تجاوزنا ذلك فلنا ان نتساءل سبب وجود هذه المخاوف
العنصرية من اساسها وهذا ما لسنا بصدد التطرق اليه في هذه السانحة ولكننا نريد ان
نؤكد علي حقيقة وجود هذه المخاوف واتساعها وتجذرها في المجتمع السوداني النيلي
بشكل اعمق منذ قيام احداث دارفور في العام
2003 والتي سبقتها التطورات في جنوب كردفان بعد دخول الحركة الشعبية
ابتداءا في النصف الثاني من تسعينات القرن المنصرم وان وجود مثل هذه المخاوف
العنصرية كان في واقع اكثر اتساعا وعمقا تجاه جنوب السوداني وقد ساهمت بشكل اساسي
في الجو النفسي السائد والذي ادي في نهاية امره بجانب العوامل الاخري الي الاداء الهزيل
واللامبالاة التي ابداها النظام تجاه خيار جاذبية الوحدة خلال الست السنوات التي
اعقبت التوقيع علي اتفاقية السلام الشامل بنيفشا والتي ادات الي نهاياتها المنطقية
المتمثلة في اعتماد الجنوب خيار الانفصال وحدوثه فعلا.
ففي
رأيي أن استراتجية عمل الحزب الشيوعي هذه لا تعترف ولا تعبر عن عمق الشرخ والخلخلة
الهيكلية في بنية الدولة والمجتمع السوداني التي خلقتها سنوات حكم الاسلاميين في
السودان بالقدر الكافي. وقد اعتمد الحكم علي اثارة هذه النعرات وتداولها كأداة
رئيسة ضرورية لبقائه وتقليل خطر الزحف العسكري عليه من قبل الهامش وكما اعتمد
عليها للتجيش والتعبئة لصالح جهدة الحربي والسياسي. وفي رأيي ان هذا الشرخ
والخلخلة اصبح بالقدر الذي لا يجعله مانعا لامكانية التغيير فحسب بل يجعل امكانية
استمرارية الدولة وديمومتها فيما بعد التغيير امرا صعبا المنال. فحتي موقف الحزب
من قضية النضال المسلح اذا دققت النظر فيه هو في حقيقته موقف معبر عن عمق الشرخ
والخلخلة التي تحدث عنها فهم يرون ان لا اعتراض لهم من حيث المبدأ علي نزوع
مجتمعات الجنوب الجديد ودافور الي النضال المسلح ولكنهم في ذات الوقت لن ينتهجوا
ذلك المسلك الا اذا تطور الوضع واصبح وجودنا نحن مهدد فسوف لن "نقف مكتوفي
الايادي ليتم التقاطنا واحدا تلو الآخر" حسب تعابير راشد سيد احمد المسؤول
السياسي للحزب الشيوعي ببريطانيا في ندوة الحزب الشيوعي بمدينة مانشستر البريطانية.
وهنا تكمن العلة في هذا الموقف والذي يستبطن حقيقة رئيسة هي أن الحزب ليس في تصوره
او في مكنوناته الاحساس بان مايتم في هذه المجتمعات السودانية هو في حقيقته ضرب في
صميم جماهيره وبعده الاستراتيجي ويمكن سوق هذا المنطق الي ان الحزب يصنف نفسه ليس
كحزب منتمي الي جماهير الهامش هذه متأثرا بما تتأثر به بل يقف بمنأي عنها الي حين
ان يتطور الامر ليكون اكثر لصقا بذاته ووجودة وخلفيته الاجتماعية. قولي هنا هو ان الموقف
يعبر عن الشرخ والذي حدث.وفي رأيي ان الحزب لتعلقه وارتباطة الذي لا انفكاك عنه ليس بالمعطيات الاجتماعية المكونه لعضويته فحسب بل لارتباطه بتراث اكتوبر وفهمه للثورة غير المتجدد قد اعماه عن فهم العمق والاشكال البنيوي الذي تعاني منه الدولة السودانية والمجتمع السوداني حاليا ولذلك فان اطروحاته واستراتيجته لم تعبر عن فهم عميق للتجربة وفي آخر الأمر فمنظوراته التي يتقدم بها في التغيير لا تختلف توعيا عن اطروحات الاحزاب التقليدية بما فيها الحزبين. وازعم ان مواقف الامام الصادق المهدي والتي تهدف في جوهرها الي ازالة النظام دون المساس بالاسس السياسية والاجتماعية الهيكلية التي تقوم عليها الدولة بشكلها الحالي هي في الواقع اصدق او لا تختلف في شئ يذكر عن استرتيجية واطروحات الحزب الشيوعي السوداني.
وفي رأيي كذلك ان ما يمكن ان اسميه الغفلة او انشغال الحزب الشيوعي عن ادراك عمق التغيير الذي حدث سوف يؤدي الي اغترابه وانعزاله والذي يعبر عن نفسه في اشكال كثيرة يمكن تلمسها حتي في اطار العمل الاجتماعي علي المستوي المحلي في الداخل وتجمعات المهاجر التي ينشط في الحزب فيما سبق... فهناك احساس عام ان الحزب في وادي والمجتمع في واد آخر وهناك حتي صعوبة في التناغم علي مستوي العمل السياسي والاجتماعي اليومي من الكيانات الجديدة الفاعلة في المجتمعات المحلية.
